فخر الدين الرازي
71
تفسير الرازي
الآخرة أكثرها محجوبة عنا ما دمنا في الدنيا ، وأما معنى الفضل فهو الخلف المعجل في الدنيا ، وهذا الفضل يحتمل عندي وجوهاً أحدها : أن المراد من هذا الفضل الفضيلة الحاصلة للنفس وهي فضيلة الجود والسخاء ، وذلك لأن مراتب السعادة ثلاث : نفسانية ، وبدنية ، وخارجية ، وملك المال من الفضائل الخارجية وحصول خلق الجود والسخاوة من الفضائل النفسانية وأجمعوا على أن أشرف هذه المراتب الثلاث : السعادات النفسانية ، وأخسها السعادات الخارجية فمتى لم يحصل إنفاق المال كانت السعادة الخارجية حاصلة والنقيضة النفسانية معها حاصلها ومتى حصل الإنفاق حصل الكمال النفساني والنقصان الخارجي ولا شك أن هذه الحالة أكمل ، فثبت أن مجرد الإنفاق يقتضي حصول ما وعد الله به من حصول الفضل والثاني : وهو أنه متى حصل ملكة الإنفاق زالت عن الروح هيئة الاشتغال بلذات الدنيا والتهالك في مطالبها ، ولا مانع للروح من تجلي نور جلال الله لها إلا حب الدنيا ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : " لولا أن الشياطين يوحون إلى قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات " وإذا زال عن وجه القلب غبار حب الدنيا استنار بأنوار عالم القدس وصار كالكوكب الدري والتحق بأرواح الملائكة ، وهذا هو الفضل لا غير والثالث : وهو أحسن الوجوه : أنه مهما عرف من الإنسان كونه منفقاً لأمواله في وجوه الخيرات مالت القلوب إليه فلا يضايقونه في مطالبه ، فحينئذ تنفتح عليه أبواب الدنيا ، ولأن أولئك الذين أنفق ماله عليهم يعينونه بالدعاء والهمة فيفتح الله عليه أبواب الخير . ثم ختم الآية بقوله * ( والله واسع عليم ) * أي أنه واسع المغفرة ، قادر على إغنائكم ، وإخلاف ما تنفقونه وهو عليم لا يخفى عليه ما تنفقون ، فهو يخلفه عليكم . قوله تعالى * ( يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ) * . إعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة أن الشيطان يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء ، وأن الرحمن يعد بالمغفرة والفضل نبّه على أن الأمر الذي لأجله وجب ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان هو أن وعد الرحمن ترجحه الحكمة والعقل ، ووعد الشيطان ترجحه الشهوة والنفس من حيث إنهما